تتجه أنظار المستثمرين هذا الأسبوع إلى سلسلة من قرارات السياسة النقدية التي قد تُعيد رسم خريطة الأسواق العالمية، مع اجتماعات كلٍّ من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، البنك المركزي الأوروبي، بنك اليابان وبنك كندا. هذه الاجتماعات تحمل أهمية كبيرة، حيث يتوقع أن تؤثر قراراتها بشكل مباشر على حركة الأسواق المالية العالمية.
ورغم أهمية هذه الاجتماعات، يبقى التركيز الأكبر على الفيدرالي الأميركي، إذ يترقب العالم ما إذا كان البنك سيُطلق فعلياً بداية دورة خفض الفائدة بعد أطول فترة تشديد نقدي منذ عقود. هذا القرار المحتمل يأتي في وقتٍ يشهد فيه الاقتصاد الأميركي تباطؤاً تدريجياً في التضخم، مما يمنح الفيدرالي مساحة للتحرك.
فيما يتعلق بالبنك المركزي الأوروبي، من المتوقع أن يُبقي على معدلات الفائدة من دون تغيير هذا الأسبوع، بعد أن أنهى العام الماضي أطول دورة رفع في تاريخه. ورغم تراجع التضخم في منطقة اليورو إلى ما دون 3%، إلا أن النمو الاقتصادي لا يزال هشّاً ومتفاوتاً بين الدول الأعضاء. يواجه البنك معضلة مزدوجة تتمثل في بقاء التضخم الأساسي أعلى من الهدف البالغ 2%، مما يحدّ من قدرة صناع السياسة على التحرك نحو التيسير بسرعة. تصريحات كريستين لاغارد ستكون محورية، حيث من المرجح أن تؤكد نهج التوقف الموقت في السياسة النقدية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام احتمال خفض الفائدة في الربع الثاني من عام 2026 إذا واصل التضخم مساره الهبوطي بثبات.
أما بنك اليابان، فمن المتوقع أن يواصل اتباع سياسته النقدية الفائقة التيسير، مع إبقاء سعر الفائدة قرب الصفر أو في المنطقة السلبية. تأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه السلطات إلى الموازنة بين دعم النمو الاقتصادي ومنع المزيد من تدهور قيمة الين. ورغم ارتفاع معدل التضخم العام إلى 2.9% في سبتمبر، إلا أن البنك لا يزال يرى أن الضغوط السعرية موقتة وليست ناتجة عن نمو قوي في الطلب المحلي.
بالنسبة لبنك كندا، يتجه نحو خفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، في خطوة تهدف إلى دعم الاقتصاد بعد تباطؤ واضح في التضخم وانكماش ملموس في قطاع الإسكان. يأتي هذا القرار في ظل تزايد المؤشرات إلى ضعف الاستهلاك المحلي وتراجع الطلب على القروض، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة إلى أعلى مستوى في عامين. ومع ذلك، من المتوقع أن يُرفق البنك قراره بنبرة حذرة ومتوازنة، خاصة أن التضخم الأساسي لا يزال فوق المستوى المستهدف.
الحدث الأبرز بلا منازع هذا الأسبوع سيكون اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يومي 28 و29 تشرين الأول/أكتوبر، وسط توقعات شبه مؤكدة بخفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، لتصبح ضمن نطاق 3.75%–4.00%. تأتي هذه الخطوة في وقتٍ دقيق يشهد فيه الاقتصاد الأميركي تباطؤاً تدريجياً في التضخم مع بقاء مؤشرات النمو مرنة، مما يمنح الفيدرالي مساحة لبدء دورة خفض محسوبة دون الإخلال باستقرار الأسعار.
تستند الخطوة إلى بيانات متباينة تُظهر تباطؤاً في التضخم وتحسناً معتدلاً في النشاط الاقتصادي، مقابل بقاء سوق العمل متماسكة رغم بعض علامات التباطؤ. في خطابه الأخير، أشار جيروم باول إلى أن استمرار التشديد النقدي قد يشكل خطراً على الاقتصاد، مما يعكس تحوّلاً واضحاً في نبرته نحو مزيد من المرونة مقارنة بمواقفه السابقة.
تتعدد السيناريوات المحتملة للأسواق. السيناريو الأول هو خفض الفائدة بنبرة تيسيرية واضحة، حيث يُقدم الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة ويؤكد استمرار دورة التيسير النقدي خلال الأشهر المقبلة. هذا القرار يُنعكس إيجاباً على مختلف فئات الأصول، حيث يستفيد الذهب من انخفاض العائد الحقيقي وتراجع الدولار، بينما تميل الأسهم الأميركية إلى الارتفاع مدفوعة بتراجع تكاليف التمويل.
أما السيناريو الثاني، فهو خفض الفائدة بنبرة حذرة، حيث يُقدم الفيدرالي على خفض الفائدة لكنه يربط القرار بتأكيد باول أن الخطوة لا تمثل بالضرورة بداية دورة خفض طويلة. تكون النتيجة أكثر توازناً، حيث يتحرك الذهب في نطاق مستقر من دون اتجاه واضح، بينما تميل الأسهم الأميركية إلى الارتفاع ولكن بوتيرة أبطأ.
تظهر معطيات هذا الأسبوع أن العالم المالي يقف أمام تحول تدريجي في المزاج النقدي العالمي. فبعد عامين من التشديد الصارم، بدأت نغمة البنوك المركزية تتغير، مما يمنح الأسواق إشارة إلى أن مرحلة السياسة المقيدة تقترب من نهايتها. ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يعني بالضرورة عودة سريعة إلى التيسير، بل مرحلة انتقالية دقيقة تُختبر فيها قدرة الاقتصاد على التكيّف مع مستويات فائدة مرتفعة نسبياً دون انزلاق نحو الركود.
في هذا السياق، سيبقى الفيدرالي الأميركي المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق، إذ إن أي تغيير في لهجة باول أو في مسار الفائدة الأميركية سيحدد شكل حركة رؤوس الأموال، وقوة الدولار ومسار الذهب والأسهم خلال الأشهر المقبلة.

احدث التعليقات