الرئيسيةالسياسةالسياسة منفصلة عن المعرفة الأكاديمية.. والترجمة إلى العربية ‘رائدة’

السياسة منفصلة عن المعرفة الأكاديمية.. والترجمة إلى العربية ‘رائدة’

السياسة والمعرفة: تفاعل معقد بين الأفعال والأفكار

في محاضرة مثيرة نظمتها الهيئة العليا للترجمة التابعة لأكاديمية المملكة المغربية، تناول الأستاذ عبد الحي المودن، المتخصص في العلوم السياسية، العلاقة المعقدة بين السياسة والمعرفة. حيث أشار إلى أن السياسة كممارسة هي نتيجة أفعال وردود أفعال تتجاوز المعرفة الأكاديمية، مما يبرز الفجوة بين عالم المعرفة وعالم السياسة. فالمعرفة، بما فيها المعرفة السياسية، تتحمل مسؤولية البحث عن الحقيقة، حتى وإن كانت مؤقتة، للحفاظ على إنسانية البشرية في مواجهة الظلم والطغيان.

اللغة والإيديولوجيا: مرآة السياسة

تحت عنوان “اللغة والإيديولوجيا والترجمة.. حينما تُكتب السياسة بلغة أخرى”، نفى المودن وجود لغة مكتوبة تعكس حقيقة السياسة الممارسة. إذ اعتبر أن كل كتابة عن السياسة هي بمثابة ترجمة لها، مما يسلط الضوء على دور اللغة في تشكيل الفهم السياسي. فالمعرفة السياسية ليست مجرد علم، بل هي مجموعة من المقاربات التي تشمل تجارب الأفراد ووسائل الإعلام والحكمة الشعبية.

تاريخ المعرفة السياسية

استحضر المودن تاريخ المعرفة السياسية منذ أفلاطون وهيرودوت، مشيراً إلى أن المعرفة السياسية تتجاوز الحدود الأكاديمية. فقد شهدت العقود الأخيرة تزايداً في جنسيات المنتجين للمعرفة، مما أدى إلى تنوع لغات الكتابة. ومع ذلك، لا تزال هناك مواقف متباينة حول حياد اللغة، حيث تُعتبر اللغة أداة للسيطرة الثقافية، مما يطرح تساؤلات حول كيفية تجاوز الهيمنة اللغوية.

إشكالات اللغة والكولونيالية

في سياق فك الارتباط بالكولونيالية، أشار المودن إلى أن اللغة ليست مجرد حامل محايد، بل هي مكون أساسي للمعرفة السياسية. فالمعرفة المكتوبة بلغات أوروبية تُعتبر محلية، مما يستدعي دعوات لنزع الكولونيالية عن هذه المعرفة. وقد دعا بعض الأكاديميين، مثل عبد الله حمودي، إلى كتابة المعرفة باللغة العربية كوسيلة لتجاوز هيمنة لغات المركز.

الترجمة كمسؤولية

تحدث المودن عن الترجمة كعملية تحمل مسؤولية كبيرة، حيث يجب على المترجم استنباط المعاني الظاهرة والمضمرة للنصوص السياسية. فالمعرفة العلمية بالسياسة ليست موحدة، بل تتنوع وفقاً لاختلاف المناهج والنظريات. وقد أشار إلى أن توحيد المصطلحات القانونية لم يُلغِ السجالات حول تحديد الحالات التي تنطبق عليها الجرائم، مما يعكس تعقيد الفهم السياسي.

تأثير اللغة على الفهم

قدّم المودن مثالاً على تأثير المصادر اللغوية على فهم المفاهيم السياسية، مشيراً إلى الفروق بين المعربين والمفرنسين في المغرب. فقد كانت الماركسية، على سبيل المثال، تُكتب بالفرنسية، بينما تناولت الماركسية المشرقية قضايا الدين والطائفية. وهذا يعكس كيف تؤثر اللغة على الفهم والتفسير.

الماركسية والسياسة في العالم الثالث

استعرض المودن تأثير الماركسية في الكتابة عن السياسة في المغرب والعالم الثالث، مشيراً إلى كيفية استنبات علم السياسة الأمريكي من المعرفة الأوروبية. وقد أشار إلى الدعم الأمريكي لمراكز بحثية لإنتاج مفاهيم معادية للماركسية، مما أدى إلى ظهور مصطلحات جديدة في العلوم الاجتماعية.

التحولات السياسية والربيع العربي

تطرق المودن إلى تأثير “الربيع العربي” على المعرفة السياسية، حيث اعتُبر حدثاً محوّلاً. وقد أثرت الكتابات الغزيرة حول هذا الحدث على الفهم الأكاديمي، مما أدى إلى بروز لغة جديدة في السياسة. ومع ذلك، أشار إلى أن هذه الفورة كانت قصيرة الأمد، حيث تنوعت مصائر الربيع العربي بين حروب أهلية وعودة السلطوية.

المعرفة السياسية في العصر الرقمي

في العصر الحالي، تكتب السياسة بلغات متعددة، وتهاجر الحدود السياسية، مما يؤدي إلى معانٍ جديدة. وقد شهدت حركة رائدة في ترجمة المعارف الغربية إلى العربية، لكن التحديات لا تزال قائمة، حيث يعاني العالم العربي من نقص في المترجمين الأكفاء وعدم التوافق على المصطلحات.

الخلاصة

تتداخل السياسة والمعرفة بشكل معقد، حيث تلعب اللغة دوراً محورياً في تشكيل الفهم السياسي. إن فهم هذه الديناميات يمكن أن يساعد في تجاوز التحديات المعرفية والسياسية التي تواجه المجتمعات اليوم.

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات