تعيش الساحة السياسية والإعلامية الفرنسية على وقع فضيحة غير مسبوقة، تكشف عن خلل عميق في مؤسسات الدولة. فقد نشرت صحيفة “لانفورمي” الإلكترونية تحقيقًا مثيرًا عن تورط خلية الاستخبارات المالية الفرنسية، المعروفة باسم “تراكفين” (TRACFIN)، في إعداد تقرير مزوّر ضد النائب الفرنسي كارلوس مارتينز بيلونغو، عضو حزب “فرنسا الأبية” (LFI)، تحت ضغط خارجي يُعتقد أنه صادر عن دولة الإمارات العربية المتحدة.
تعود بداية القضية إلى عام 2023، عندما وجه النائب بيلونغو انتقادات حادة للإمارات قبيل انعقاد مؤتمر المناخ العالمي (COP28) في أبوظبي. اتهم الإمارات باستغلال ملف البيئة لتلميع صورتها السياسية وتبييض ممارساتها الاقتصادية المثيرة للجدل. بعد أسابيع من تلك التصريحات، تلقى القضاء الفرنسي مذكرة من “تراكفين” تتحدث عن شبهات مالية تحوم حول النائب، لكن التحقيقات اللاحقة كشفت أن الوثائق المرفقة كانت مفبركة ومليئة بالأخطاء.
على إثر ذلك، سارعت النيابة العامة في باريس إلى فتح تحقيق رسمي استنادًا إلى مضمون التقرير. ومع تداول وسائل الإعلام لأخبار عن “تحويلات مالية مشبوهة” تخص النائب، تعرض بيلونغو لضغوط سياسية وإعلامية هائلة. لكن بعد عامين، أعلنت النيابة العامة حفظ الملف نهائيًا دون أي متابعة قضائية، مؤكدة أن “الوقائع المنسوبة لا تقوم على أي أساس واقعي أو قانوني”، مما اعتُبر اعترافًا ضمنيًا بحدوث تلاعب واضح في المعطيات.
لم يُغلق قرار الحفظ الملف، بل فجّر فضيحة سياسية وإدارية كبرى. فقد كشفت الوثائق التي نشرتها “لانفورمي” عن تناقضات فادحة وبيانات مصرفية لا تمت بصلة إلى النائب أو محيطه. وأفادت مصادر من داخل وزارة الاقتصاد بأن بعض المسؤولين في الخلية تلقوا “تعليمات عليا” لإحالة الملف إلى القضاء بسرعة دون استكمال عملية التحقق.
في تصريح أثار صدى واسعًا، قال النائب أرنو لو غال، عضو حزب العمال، إن ما حدث “فضيحة تمس شرف الدولة الفرنسية ومصداقية مؤسساتها”. وأكد أن تراكفين وُجدت لتفكيك شبكات تمويل الإرهاب والتهرب الضريبي، لا لتتحول إلى أداة للتجسس السياسي. كما دعا إلى استدعاء وزيري الاقتصاد والعدل اللذين كانا في منصبيهما آنذاك للمساءلة أمام البرلمان.
أما النائب أورليان سانتول، العضو البارز في حزب “فرنسا الأبية”، فقد اعتبر أن الإمارات تدخلت عبر جهاز تراكفين بهدف زعزعة استقرار نائب منتخب في البرلمان الفرنسي. وأثار صمت الحكومة الفرنسية تساؤلات حول كيفية صمت حكومة ديمقراطية أمام فضيحة بهذا الحجم.
زاد صمت الحكومة الفرنسية من حدة الشكوك والاتهامات. فقد اكتفى المتحدث باسم وزارة الاقتصاد بتصريح مقتضب يؤكد أن “تراكفين تعمل باستقلالية تامة وفق القانون”، بينما يرى مراقبون أن القضية تمس جوهر السيادة الوطنية. إذ يتساءل كثيرون كيف لجهاز سيادي حساس أن يُستغل لتصفية حسابات سياسية.
نقلت الصحيفة الفرنسية عن مصدر رفيع في وزارة الاقتصاد قوله إن التقرير “لم يمر عبر الإجراءات الاعتيادية للتحقق والمراجعة الداخلية”، موضحًا أن “عددًا من التحذيرات التقنية التي سجّلها موظفون مختصون حُذفت عمدًا من النسخة النهائية”. وأكد أن بعض العاملين في الخلية عبّروا عن استيائهم من الطريقة التي تمت بها فبركة المذكرة.
فتحت هذه القضية النقاش حول النفوذ الإماراتي المتزايد في الدوائر السياسية والإعلامية الفرنسية. فقد عززت أبوظبي علاقاتها مع باريس عبر صفقات ضخمة في مجالات الدفاع والطاقة، مما جعلها شريكًا استراتيجيًا ذا نفوذ واسع داخل النخبة الفرنسية.
لم يعد النفوذ الإماراتي مقتصرًا على الاقتصاد فحسب، بل امتد إلى مجالات الإعلام وصناعة القرار، ما أتاح للإمارات هامشًا من التأثير في توجيه النقاش العام ضد الأصوات اليسارية التي تنتقد سجلها في حقوق الإنسان.
يرى الباحث الفرنسي أوليفييه لاغون أن ما جرى “يتجاوز حدود الخطأ الإداري إلى مستوى الفضيحة السياسية والأمنية”، موضحًا أن “ثبوت تدخل جهة أجنبية في مسار عمل جهاز رسمي يعني وجود خلل بنيوي في منظومة الحوكمة”.
قضية تراكفين لم تُغلق بعد، بل تحولت إلى مرآة لأزمة أخلاقية وسياسية تهزّ قلب الجمهورية الخامسة، وتعيد طرح الأسئلة: كم من التقارير الأخرى صيغت على المقاس؟ وكم من السياسيين والإعلاميين دفعوا ثمن لعبة النفوذ الخفية بين المال والسياسة والاستخبارات؟

احدث التعليقات