يشهد الاتحاد الأوروبي صراع نفوذ متصاعد داخل مؤسساته بشأن من يملك القرار في السياسة الخارجية. هذا الصراع يُعتبر من الأشد منذ إنشاء خدمة العمل الخارجي الأوروبي قبل أكثر من عقد، حيث يتجلى في التوتر بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والممثلة السامية للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس. بينما تسعى فون دير لاين لتعزيز دور المفوضية في توجيه السياسات الدبلوماسية، تجد كالاس نفسها أمام تحديات تقلص من صلاحيات منصبها.
إعادة تشكيل السلطة الدبلوماسية
في تقريرها الأخير بعنوان “على غرار صراع العروش: معركة السيطرة على الدبلوماسية داخل المفوضية الأوروبية”، أشارت صحيفة لوموند الفرنسية إلى أن أورسولا فون دير لاين قد عززت من آلية التواصل المباشر مع عواصم الاتحاد الأوروبي في القضايا الحساسة. وقد جاءت خطوات دير لاين عبر سلسلة تحركات مؤسساتية تراكمت خلال العامين الماضيين، من بينها إنشاء وحدات جديدة للتحليل الجيوسياسي داخل المؤسسة الأوروبية وتوسيع صلاحيات مستشاريها للشؤون الخارجية.
تسعى هذه الإجراءات إلى تحويل المفوضية من لاعب إداري وتنفيذي إلى جهة تسعى لقيادة التوجهات الدبلوماسية للاتحاد، مما يثير قلقا داخل خدمة العمل الخارجي التي اعتادت لعب الدور المحوري في العلاقات الدولية للاتحاد. تشعر دائرة كايا كالاس بأن المساحات الممنوحة لها تضيق بشكل ملحوظ، خصوصا في الملفات التي كانت تعد من صميم اختصاصاتها مثل العلاقات مع الدول المرشحة للانضمام والملفات الأمنية المتعلقة بالأنظمة الاستبدادية.
تشير مصادر صحيفة لوموند إلى أن الجهاز الدبلوماسي بات يستقبل بعض القرارات كأمر واقع بعد أن تُصدرها المفوضية قبل التشاور مع الدبلوماسيين المختصين. هذا التحول لم يكن مفاجئا، بل جاء نتيجة مسار طويل بدأ مع الأزمات المتلاحقة التي ضربت أوروبا، مثل جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا، مما عزز من دور المفوضية في تنسيق العقوبات على روسيا وإدارة ملفات الطاقة.
أبعاد الصراع القانوني والمؤسساتي
ترى صحيفة دير شبيغل الألمانية أن صراع النفوذ بين المفوضية الأوروبية ومكتب الممثل السامي للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية لا يقتصر على طابع شخصي بين فون دير لاين وكاياس كالاس، بل يشكل مواجهة مؤسساتية عميقة تتعلق بصلاحيات إصدار القرار الخارجي واتخاذ المواقف الإستراتيجية للدول الأعضاء. تسعى المفوضية إلى ترسيخ نموذج قانوني جديد يوسع صلاحياتها التنفيذية والدبلوماسية، مما يعيد رسم الحدود بين الأجهزة التي صممت أصلا لضمان توازن القوى بين المؤسسات الأوروبية.
تطوير وحدات داخل هيكل المفوضية مخصصة لتحليل التهديدات العالمية وإعداد استراتيجيات استباقية في مجالات مثل الأمن الرقمي والعلاقات مع القوى الكبرى، كان تقليديا تحت إشراف خدمة العمل الخارجي، لكن الآن أصبح جزءا من البنية التنفيذية للمفوضية. هذا يمنح فون دير لاين موقعا قويا في تحديد أولويات السياسة الخارجية الأوروبية دون المرور دائما عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية.
من جهة أخرى، تعرض الصحيفة مخاطر هذا التمدد على استقلالية الدبلوماسية الأوروبية. بعض دبلوماسيي الاتحاد يرون أن تحويل جزء من مهامهم إلى المفوضية يضعف التأثير المؤسسي للسلك الدبلوماسي، مما يحوله إلى إدارة تنفيذية بدلا من دوره القيادي التقليدي. كما أن استقلالية الممثل الأعلى للشؤون الخارجية تتعرض للخطر، إذا أصبحت قراراته تعتمد على توصيات أو تحليلات داخلية من المفوضية.
تأثير صراع الصلاحيات
بحسب صحيفة الغارديان البريطانية، واجهت أورسولا فون دير لاين ضغوطا غير مسبوقة خلال عام 2025 نتيجة أحداث سياسية ودبلوماسية معقدة داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه. هذه الضغوط سلطت الضوء على هشاشة التنسيق بين مؤسسات الاتحاد المختلفة، خصوصا بين المفوضية والممثل الأعلى للشؤون الخارجية، مما أثار التساؤلات حول توازن القوى داخل الاتحاد وقدرته على اتخاذ قرارات فعالة في مواجهة الأزمات المتعددة والمتزامنة.
أظهرت استطلاعات رأي أن نسبة كبيرة من المواطنين تعتبر أن قيادة فون دير لاين لم تدافع عن مصالح أوروبا بشكل كاف، مما أثر على صورة الاتحاد أمام الرأي العام الأوروبي. هذه الأحداث كشفت عن فجوات هيكلية في القدرة الدبلوماسية للاتحاد، مما جعل الاتحاد يبدو ضعيفا أمام التحديات الجيوسياسية.
تتجاوز هذه المخاوف مجرد تحليل المخاطر إلى إدارة الأزمات، حيث ترغب فون دير لاين في أن تتخذ المفوضية المبادرة للتنسيق مع الشركاء الدوليين، بينما يرى دبلوماسيون آخرون أن ذلك يجب أن يكون بيد البعثات والإدارات الدبلوماسية المتخصصة. هذه الديناميات تعكس التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي في تحقيق توازن فعال بين السلطة التنفيذية والدبلوماسية التقليدية.

احدث التعليقات