تسريبات قضية إبستين: شبكة من المال والسياسة والجنس
أعادت تسريبات قضية جيفري إبستين فتح بابٍ كان الكثيرون في واشنطن يأملون أن يبقى مغلقًا. هذه التسريبات لا تكشف فقط عن سقوط المستثمر سيء السمعة، بل تفضح مثلثًا غير مقدّس من المال والسياسة والجنس. هذا المثلث يقود نسيجه المركزي إلى شبكة نفوذ أجنبية تعلّمت كيف تحكم أقوى دولة في العالم من خلال الإغواء والتبعية والسيطرة.
الوثائق وسلوك واشنطن
ليست هذه نظرية مؤامرة، بل ما تُظهره الوثائق وما يؤكّده سلوك واشنطن. تكشف الملفات أن إبستين لم يكن مجرد محتال بارع، بل كان واجهة اجتماعية لجهاز استخباراتي صُمّم للإفساد والابتزاز والتحكّم. نسج إبستين شبكته بعناية، حيث كانت أقرب مساعديه، غيسلين ماكسويل، ابنة روبرت ماكسويل، الذي تردد طويلاً أنه عمل عن قرب مع الاستخبارات الإسرائيلية.
العلاقات مع الشخصيات السياسية
تدفّقت استثمارات إبستين إلى مشاريع يقودها إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، الذي زاره مرارًا حتى بعد إدانته بجريمة استغلال فتاة قاصر. كانت هذه العلاقات تشير إلى أن إبستين لم يكن مجرد شخص مقرب اجتماعيًا من الاستخبارات الإسرائيلية، بل كان يلعب دورًا عملياتيًا.
الابتزاز كوسيلة للسيطرة
تكشف التسريبات جانبًا أكثر قتامة: عقلية النخب الأمريكية التي تحرّكت في عالم إبستين. تُظهر الجداول الزمنية ورسائل البريد الإلكتروني رجالًا تعاملوا معه كند، وليس كتهديد. لقد بحثوا عنه لأنه كان يقف عند تقاطع الثروة والاستخبارات، مما جعله مصدر نفوذ.
أيباك: الوجه العلني للنفوذ
إذا كان إبستين أداة تأثير سرية قائمة على الابتزاز، فإن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك” كانت الأداة العلنية والمالية. سيطر أحدهما على النخبة عبر شهواتها، بينما سيطر الآخر على الكونغرس عبر المال. في عام 2024 وحده، ضخّت “أيباك” أكثر من 53 مليون دولار في الانتخابات الأمريكية، مما جعلها قوة مؤثرة في السياسة.
التغيرات في المشهد السياسي
رغم النفوذ الهائل لـ “أيباك”، بدأ هناك تحوّل في المشهد السياسي الأمريكي. بدأت أركان هذا اللوبي القوي بالتصدّع، حيث تراجع عدد النواب الذين يشاركون في الرحلات السنوية التي تنظمها “أيباك”. بدأ الناخبون، خصوصًا الشباب، يرفضون المرشحين المدعومين من اللوبيات المؤيدة لإسرائيل.
الضغط المتزايد على السياسيين
يتصاعد الضغط من كل الاتجاهات، حيث بدأ الإعلاميون ومقدمو البرامج الحوارية يواجهون السياسيين بأسئلة محرجة. حتى الجمهوريون بدأوا يهاجمون اللوبي الإسرائيلي علنًا، مما يشير إلى أن هالة الحصانة حول “أيباك” بدأت تتلاشى.
الديمقراطية في خطر
لكن رغم تآكل شرعية اللوبي داخليًا، تبقى قبضته على السياسة الخارجية راسخة. لا يزول النفوذ لمجرّد أنه أصبح غير محبوب، إذ يبقى التأثير كامناً في صلب المؤسسات. حتى مع تراجع السياسيين عن هذه الدائرة، تبقى السياسة الخارجية الأمريكية منحازة للأجندة الإسرائيلية.
استنتاجات من تسريبات إبستين
تسريبات إبستين لا تكشف عن مجرم واحد، بل عن نظام قائم على الانحلال الأخلاقي والنفوذ الأجنبي. لقد أصبح إبستين نموذجًا يُظهر كيف يمكن للفساد أن يتغلغل في أعلى مستويات السلطة. السؤال الذي يطرح نفسه هو: من يحكم البلاد – مسؤولوها المنتخبون، أم الشبكة الأجنبية التي تمتلك أسرارهم وتستغل فسادهم؟

احدث التعليقات